ابن خلكان

239

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وكان يقول لأصحابه : صاحبكم هذا غلاب الدول ، ولم يصح عنه أنه استخلفه ، بل راعى أصحابه في تقديمه إشارته فتم له الأمر وكمل . وأول ما أخذ من البلاد وهران ثم تلمسان ثم فاس ثم سلا ثم سبتة ، وانتقل بعد ذلك إلى مراكش وحاصرها أحد عشر شهرا ثم ملكها ، وكان أخذه لها في أوائل سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ، واستوسق له الأمر ، وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى وبلاد إفريقية وكثير من بلاد الأندلس ، وتسمى أمير المؤمنين ، وقصدته الشعراء وامتدحته « 1 » بأحسن المدائح ، وذكر العماد الأصبهاني في كتاب « الخريدة » أن الفقيه أبا عبد اللّه محمد بن أبي العباس التيفاشي لما أنشده : ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل * مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي أشار عليه بأن يقتصر على هذا البيت وأمر له بألف دينار . ولما تمهدت له القواعد وانتهت أيامه خرج من مراكش إلى مدينة سلا ، فأصابه بها مرض شديد ، وتوفي منه في العشر الأخير من جمادى الآخرة السابع والعشرين منه سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ، وقيل إنه حمل إلى تين ملّ « 2 » المذكورة في ترجمة المهدي محمد بن تومرت ، ودفن هناك ، واللّه أعلم ، وكانت مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة وأشهرا ، وكان عند موته شيخا نقي البياض . ونقلت من تاريخ فيه سيرته وحليته ، فقال مؤلفه : رأيته شيخا معتدل القامة عظيم الهامة أشهل العينين كثّ اللحية شثن الكفين طويل القعدة واضح بياض الأسنان ، بخده الأيمن خال ، رحمه اللّه تعالى . وقيل إن ولادته كانت سنة خمسمائة ، وقيل سنة تسعين وأربعمائة ، واللّه أعلم . وعهد إلى ولده أبي عبد اللّه محمد فاضطرب أمره وأجمعوا على خلعه في شعبان من سنة ولايته ، وبويع أخوه يوسف - على ما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى .

--> ( 1 ) ر : وامتدحوه . ( 2 ) هذه العبارة بهامش المسودة ، وقد سقطت من س ل ر م .